حرب التجويع في غزة.. الإبادة البطيئة
14 أغسطس 2025
يعاني قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر من عام 2023، من عدوان إسرائيلي قاسي، استخدم فيه الاحتلال كل الأسلحة، ولجأ لاستغلال الغذاء والتحكم بالمساعدات كسلاح يحارب به أهل غزة ومقاومتها، مما جعل القطاع يعيش ظروف معيشية صعبة جدا، وصلت حد التجويع.
في نهاية شهر آذار نُشر تقرير "IPC"، في مبادرة شاركت فيها أكثر من 15 منظمة إنسانيّة دوليّة بقيادة هيئة الأمم المتحدة. أكد التقرير على أنّ قطاع غزّة على شفا مجاعة، أي أن الوضع الذي يمثل الدرجة الخامسة والأكثر خطورة في مؤشّر "IPC"للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي. وجاء في التقرير أن حوالي نصف سكّان قطاع غزة يعانون من نقص كارثيّ في الأمن الغذائي. ووفقا للمعيار الدولي المقبول، تكون منطقة ما في حالة "مجاعة" عندما يواجه ما لا يقل عن 20% من الأسَر فيها نقصا حادّا في الغذاء، ويعاني ما لا يقل عن 30% من الأطفال من سوء التغذية الحاد.
استخدام الغذاء والدواء كسلاح حرب، إستراتيجية متبعة في النزاعات المسلحة أو الحروب ويحرم فيها المدنيون أو الجماعات المستهدفة من المواد الأساسية مثل الطعام والماء، بهدف إجبارهم على الاستسلام أو تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية، وتشمل هذه السياسة فرض حصار على مناطق معينة، مما يمنع وصول الإمدادات الإنسانية والموارد الأساسية للسكان المحليين. وكان أعلن الوزير السابق يوآف غالانت في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فرض حصار كامل على قطاع غزة، مؤكدا أنه لن يكون هناك كهرباء وطعام وماء أو غاز، وأضاف "نحن نقاتل حيوانات بشرية ونتصرف وفقا لذلك".
"التجويع" في الحرب هو الاستخدام المتعمّد لحرمان السكان المدنيين من الغذاء والماء، بهدف الضغط على الجهات المسؤولة عنهم - سواء كانت منظمات أو دول - وإجبارها على الخضوع سياسيا أو عسكريا.
"التجويع" في الحرب هو الاستخدام المتعمّد لحرمان السكان المدنيين من الغذاء والماء، بهدف الضغط على الجهات المسؤولة عنهم - سواء كانت منظمات أو دول - وإجبارها على الخضوع سياسيا أو عسكريا. تشمل ممارسات التجويع تدمير المحاصيل والمواشي، كما حدث في حرب السودان، وفي أوكرانيا السوفيتية (الهولودومور)، ومنع أو تأخير دخول المساعدات الإنسانية، كما وثّق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقاريره عن غزة وتيغراي (2023–2024)، واستهداف البنية التحتية الزراعية ومصادر المياه، وفرض الحصار العسكري أو الاقتصادي,
حتى شهر يوليو/تموز 2025، تشير الإحصائيات إلى أنّ الوضع الإنساني في قطاع غزة بلغ مستويات كارثية غير مسبوقة. فقد سُجّل أن نحو 1.1 مليون شخص، من أصل 2.2 مليون نسمة، يعيشون في ظروف انعدام أمن غذائي حاد (المرحلة الخامسة: المجاعة)، ولا سيما في شمال القطاع. وتشمل هذه الفئة نحو 60 ألف امرأة حامل تعاني من التجويع وسوء التغذية.
تدهورت أوضاع الغذاء بشكل حاد منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ كانت غزة تستقبل قبل الحرب نحو 500 شاحنة إمدادات غذائية يوميًا، بينما تراجع العدد بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ومايو/أيار 2024 إلى ما بين 20 و30 شاحنة يوميًا فقط، مع انقطاع الإمدادات كليًا في بعض الأيام، خصوصًا في شمال القطاع.
أثر الحصار ونقص الغذاء بشكل خاص على الأطفال، حيث يعاني طفل من كل ثلاثة أطفال دون سن الخامسة في شمال غزة من سوء تغذية حاد.
أثر الحصار ونقص الغذاء بشكل خاص على الأطفال، حيث يعاني طفل من كل ثلاثة أطفال دون سن الخامسة في شمال غزة من سوء تغذية حاد، بينما يعاني 20% منهم من حالة "هزال شديد" (Severe wasting) تهدد حياتهم ما لم يتم التدخل العاجل. وبالتوازي، يعاني أكثر من 95% من سكان القطاع من انعدام الوصول إلى مياه شرب آمنة، ما يدفع سكان الشمال إلى الاعتماد على مياه ملوثة أو مياه البحر.
كما تسبب الجوع ونقص التغذية المباشر في تسجيل أكثر من 102 حالة وفاة حتى يوليو/تموز 2025، بينهم 80 طفلًا، بحسب منظمة أطباء بلا حدود. وإلى جانب الأزمة الغذائية، كشفت تقارير "قطاع الأمن الغذائي الفلسطيني" الذي يقوده برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة، أن الحرب دمّرت أكثر من ثلث الأراضي الزراعية في شمال غزة. وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي راجعتها "هيومن رايتس ووتش" أنه منذ بدء الهجوم البري الإسرائيلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعمّد الجيش الإسرائيلي تجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، شملت البساتين، البيوت البلاستيكية، والمزارع في شمال القطاع.
تعاني النساء الحوامل والمرضعات في قطاع غزة من انعدام حاد في الأمن الغذائي، نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي في تقييد وصول المواد الغذائية التي تفتقر إلى التنوع والقيمة الغذائية اللازمة، مما يجعلها غير كافية لتلبية احتياجات أجساد الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات. ووفق ما ذكرته منظمة "العمل ضد الجوع"، فإن السلطات الإسرائيلية سهلت، خلال الفترة ما بين 1 و21 مايو/أيار، دخول 50% فقط من بعثات المساعدات الإنسانية إلى جنوب غزة، و37% إلى شمالها، وغالبًا ما تُعيق هذه المشاريع أو تُرفض تمامًا.
تعاني النساء الحوامل والمرضعات في قطاع غزة من انعدام حاد في الأمن الغذائي، نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي في تقييد وصول المواد الغذائية التي تفتقر إلى التنوع والقيمة الغذائية اللازمة، مما يجعلها غير كافية لتلبية احتياجات أجساد الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.
وأوضحت المنظمة أن عمليات توزيع الأغذية أصبحت أقل تنوعًا وأقل قيمة غذائية، حيث لم يعد بالإمكان توزيع اللحوم أو البيض، ولم يتم توزيع الخبز لعدة أسابيع، في حين أن المواد التي تم إدخالها لا تكفي لمكافحة سوء التغذية. ويؤدي هذا الوضع إلى تفاقم سوء التغذية لدى النساء الحوامل والمرضعات في شمال غزة، مما يضعف صحتهن ويقلل من قدرة أطفالهن على البقاء والنمو والتطور بشكل سليم، كما أن نقص التغذية خلال فترة الرضاعة الطبيعية يحول دون استعادة الأمهات لمخزونهن الغذائي ويجعل من الصعب تلبية احتياجاتهن الإضافية من المغذيات.
وفي سياق الحرب النفسية التي تمارسها "إسرائيل" من خلال التجويع، يتحول الجسد الجائع إلى ساحة صراع غير مرئية، يُستخدم فيها الحرمان من الغذاء كسلاح صامت لتفكيك الإرادة الفردية والجمعية. فالجوع المزمن لا يقتصر على تدهور الصحة الجسدية، بل يضرب الوظائف المعرفية كالتفكير النقدي والذاكرة واتخاذ القرار، ما يضعف الحافز على المقاومة ويعيد تشكيل الوعي تحت ضغط الحياة اليومية القاسية.
مشاهد الطوابير الطويلة من النساء والأطفال بانتظار فتات طعام – إن وُجد – وسط خطر القصف والموت، تكشف أن المسألة جزء من استراتيجية ممنهجة لفرض السيطرة عبر ما يمكن تسميته بـ “التجويف المعرفي”، حيث تُهدم البنى العقلية النقدية ويدفع الأفراد نحو سلوكيات غريزية مرتبطة بالبقاء اللحظي. وكما يصف فانون، فإن المستعمَر الجائع لا يُفكر، بل يبحث ويركض ويصرخ متمسكا بالحياة. بهذا المعنى، يصبح الجوع أداة مزدوجة لتدمير الجسد وإخضاع الإدراك الجماعي، وتحويل الإنسان إلى كائن قابل للتطويع السياسي، فاقد للطاقة الذهنية اللازمة لمقاومة الاستعمار.

لم يقتصر الاحتلال الإسرائيلي على منع دخول المساعدات الإنسانية، بل استهدف بشكل مباشر فرق الإغاثة التي تحاول إيصال الغذاء إلى المدنيين. ففي أبريل/نيسان 2024، ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة بحق سبعة من موظفي منظمة "وورلد سنترال كيتشن" أثناء قيامهم بتوزيع وجبات طعام على المحتاجين، في هجوم أثار موجة غضب عالمي لم تُترجم إلى أي تغيير فعلي في السياسة الإسرائيلية. كما تعمدت القوات استهداف مستودعات المساعدات في شمال وجنوب غزة، ما أسفر عن تدمير آلاف الأطنان من المواد الغذائية والأدوية. وتكررت مشاهد إطلاق النار على مدنيين فلسطينيين حاولوا الوصول إلى شاحنات المساعدات المحدودة، في مواقع مثل "الكوستل" و"نقطة نيتساريم"، حيث سقط عشرات القتلى فيما عُرف بـ "مجزرة طابور الخبز".

وصل انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة إلى مستويات خطيرة وغير مسبوقة، وبدأت مؤشرات المجاعة تظهر بوضوح، خاصة في مناطق الشمال. ووفق تقديرات مجموعة الشركاء العالميين للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، صُنِّف جميع سكان غزة البالغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة في المرحلة الثالثة من التصنيف "مرحلة الأزمة أو ما هو أسوأ" خلال الفترة ما بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2023 و7 شباط/فبراير 2024، وهي أعلى نسبة تُسجّل على الإطلاق في أي منطقة أو بلد. ومن بين هؤلاء، يعيش نحو 1.17 مليون شخص "50% من السكان" في حالة طوارئ "المرحلة الرابعة"، فيما تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل أربع أسر – أي أكثر من نصف مليون شخص – أوضاعا كارثية "المرحلة الخامسة: الكارثة"، حيث يعانون من نقص حاد في الغذاء والجوع واستنفاد كامل لقدرات التكيف. ورغم أن معدلات سوء التغذية الحاد والوفيات غير المرتبطة مباشرة بالصدمات لم تتجاوز بعد عتبات المجاعة، إلا أنها تعكس فجوات طويلة وشديدة في استهلاك الغذاء، وتشكل تهديدا خاصا للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات وكبار السن.
وفق تقديرات مجموعة الشركاء العالميين للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، صُنِّف جميع سكان غزة البالغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة في المرحلة الثالثة من التصنيف "مرحلة الأزمة أو ما هو أسوأ" خلال الفترة ما بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2023 و7 شباط/فبراير 2024، وهي أعلى نسبة تُسجّل على الإطلاق في أي منطقة أو بلد.
تكشف هذه المعطيات بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم الجوع كسلاح ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، وهو ما يُعد – وفق القوانين واللوائح الدولية – جريمة حرب تستوجب المساءلة القانونية الدولية، بما في ذلك ملاحقة قادة الاحتلال وتقديمهم للمحاكمة، مع ضمان حق الضحايا في التعويض. وقد أدى استخدام سلاح التجويع إلى ارتفاع أعداد الضحايا في غزة، فضلًا عن زيادة أعداد المرضى وظهور أوبئة وأمراض مرتبطة بسوء التغذية.
يهدف الاحتلال من خلال هذه السياسة إلى جملة من الأهداف، أبرزها: الانتقام من الفلسطينيين بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دفع سكان غزة نحو النزوح والهجرة القسرية، وإثارة حالة من التململ الداخلي والتمرد ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لإضعاف سيطرتها على القطاع.
أمام هذه الجرائم، تبرز الحاجة الملحة فلسطينيا إلى توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بدقة، والدعوة لتحقيق دولي مستقل، وبذل جهود دبلوماسية لخلق رأي عام عالمي مساند، بالتوازي مع العمل على فتح المعابر وإنهاء الحصار وتوفير الاحتياجات الأساسية لأهالي قطاع غزة.