لاجئون مرّة أخرى: حين يعود النزوح بثوب جديد
18 ديسمبر 2025
لم يكن عبد علي سليم يعلم أن كلمة "الاستقرار" التي عاشها لسنوات في مخيم جنين ستتحول فجأة إلى ذكرى بعيدة، تُطوى تحت وقع الجرافات وصوت الرصاص. فمنذ نكبة عام 1948، لم يعرف اللاجئ الفلسطيني معنى الطمأنينة الدائمة، إذ تتوارث الأجيال اللجوء كما تتوارث الأسماء، ومع كل جيل تتجدد النكبة بثوب جديد.
في شمال الضفة الغربية المحتلة، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة استهدفت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وغيرها، بذريعة "ملاحقة المقاومة". عمليةٌ اتسمت باستخدام القوة المفرطة، رافقها حصار خانق، واقتحامات متكررة، وتدمير واسع للبنية التحتية والمنازل، ما دفع مئات العائلات إلى النزوح القسري، تاركين خلفهم بيوتًا لم يحملوا منها سوى مفاتيحها وذكرياتهم.
في جنين، كان المخيم هدفا مباشرا. أحياء كاملة أُفرغت من سكانها، منازل دُمّرت أو تضررت، وشوارع جُرفت حتى باتت غير صالحة للحياة.
في جنين، كان المخيم هدفا مباشرا. أحياء كاملة أُفرغت من سكانها، منازل دُمّرت أو تضررت، وشوارع جُرفت حتى باتت غير صالحة للحياة. هكذا، أضيفت صفة "نازح" إلى أناس لم تبرحهم صفة "لاجئ" منذ أكثر من سبعة عقود.

خرج عبد علي سليم من منزله كما خرج غيره على عجل، بلا ملابس شتوية كافية، بلا أدوية، وبلا يقين إلى أين تمضي الخطى. يقول سليم، وهو أحد النازحين من قرية دير أبو ضعيف شرق جنين: "انتقلت للعيش في مخيم جنين عام 2016 بعد زواجي، وبنيت حياة بسيطة ومستقرة مع زوجتي وطفلتي. لم أتخيل أن أُهجّر منه يوما".
لكن النزوح لم يكن أقسى ما واجهه. ففي أحد أيام شهر رمضان، وأثناء تنقله القسري من مكان إلى آخر، أصيب بإعياء شديد. فحوصات طبية عاجلة انتهت بقرار إجراء عملية جراحية خطيرة، لم تتجاوز نسبة نجاحها 30%.
لكن النزوح لم يكن أقسى ما واجهه. ففي أحد أيام شهر رمضان، وأثناء تنقله القسري من مكان إلى آخر، أصيب بإعياء شديد. فحوصات طبية عاجلة انتهت بقرار إجراء عملية جراحية خطيرة، لم تتجاوز نسبة نجاحها 30%.
"توكلت على الله"، يقولها سليم، قبل أن يدخل غرفة العمليات، ليخرج بعدها بجسد أثقلته المضاعفات، وبصدر لا يتنفس إلا عبر جهاز أكسجين، وبروح أنهكها الخوف والاقتلاع.
اليوم، يعيش سليم في غرفة ضيقة داخل الجامعة العربية الأمريكية في جنين، التي تحولت إلى ملاذ مؤقت لعشرات العائلات النازحة، بعد أن ضاقت بهم المدارس والمساجد وبيوت الأقارب. هنا، تتقاطع الحكايات، وتتشابه التفاصيل: فقدان البيت، انقطاع الدخل، الخوف من المجهول، وحنين لا ينطفئ للمخيم.

في إحدى زوايا المكان، تجلس المسنة حليمة الجعب، تقلب بين يديها مفتاح منزلها. لا تعرف إن كان بيتها ما يزال قائمًا، لكنها تعرف يقينًا أن هذا المفتاح هو ما تبقى لها من حياة كاملة. تقول بصوت مثقل: "لاجئون نحن… وهذه الكلمة ليست عبئا، بل حق. هي التي تحفظ حقنا في العودة، وتربطنا بأرضنا التي هُجّرنا منها عامي 1948 و1967".
خلال العملية العسكرية، لم يقتصر الاستهداف على الحجر فقط، بل طال المعنى. فوفق شهادات سكان المخيم، اشترط الاحتلال، ضمنيا، التخلي عن صفة "لاجئ" كأحد الشروط لعودة المهجرين إلى مخيماتهم، في محاولة لإفراغ المخيم من رمزيته السياسية والتاريخية. شرطٌ قوبل برفضٍ قاطع من الأهالي.
"المخيم ليس مجرد تجمع سكاني، بل شاهد حي على النكبة. أكثر من مليون لاجئ موزعين على 21 مخيما في الضفة وغزة، وأي مساس بمصطلح لاجئ أو مخيم هو مساس مباشر بجوهر القضية الفلسطينية"
السيدة عفيه جميل، التي نزحت مع زوجها الكفيف، ترى في هذه الشروط خطرا وجوديا، وتقول: "إذا تخلينا عن كلمة لاجئ، نتخلى عن كل شيء… عن حق العودة، وعن الأونروا، وعن اعتراف العالم بقضيتنا".
يوضح المحلل أيمن يوسف أن ما يجري في مخيمات شمال الضفة ليس حدثا أمنيا عابرا، بل جزء من سياسة ممنهجة تستهدف المخيم كعنوان لحق العودة، ويقول: "المخيم ليس مجرد تجمع سكاني، بل شاهد حي على النكبة. أكثر من مليون لاجئ موزعين على 21 مخيما في الضفة وغزة، وأي مساس بمصطلح لاجئ أو مخيم هو مساس مباشر بجوهر القضية الفلسطينية".
وبينما تستمر العملية العسكرية، ويُمنع كثير من النازحين من العودة إلى منازلهم، تبقى الجامعة، والمدارس، وكل زاوية لجأوا إليها، شاهدا جديدا على نكبة تتكرر. نكبة لا تبدأ من القصف، ولا تنتهي بالتهجير، بل تسكن تفاصيل الحياة اليومية للاجئ أُجبر مرة أخرى على الرحيل… وهو يتمسك بمفتاحه، وبكلمة واحدة: لاجئ.