حين يتعب المال: اقتصاد محاصر بلا سيولة
25 ديسمبر 2025
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في غزة، لا يُعرف الاستقرار من سقف البيت بل من القدرة على شراء الخبز بكرامة مصونة. هنا، حيث تتداخل رائحة الركام مع صرير العملات البالية، يتحوّل المال من أداة عيش إلى عبء ثقيل، ومن حقّ بديهي إلى معركة يومية يخوضها الناس بصمت. الأوراق النقدية الممزقة تشبه أصحابها؛ أنهكها الحصار حتى فقدت ملامحها، وصارت قيمتها موضع شكّ، تماما كحياة الناس نفسها. ليست هذه أزمة سيولة عابرة، بل اختناق متعمّد، يُفرغ الحياة من تفاصيلها الصغيرة، ويجعل شراء الخبز، أو الدواء، أو قطعة ثياب لطفل، فعل مقاومة لا يقل قسوة عن النجاة من القصف.
حين أعيد فتح بعض المتاجر في غزة بعد فترات طويلة من الإغلاق، بدا المشهد وكأنه عودة تدريجية إلى الروتين. لكن هذا الروتين نفسه تغيّر. لم تعد المشكلة في توفر البضائع فقط، بل في كيفية دفع ثمنها. النقد شحيح، الأوراق النقدية متضررة، والتحويلات الرقمية رهينة انقطاع الكهرباء والإنترنت، ما جعل الاقتصاد اليومي يعمل بإيقاع متقطع.
الأوراق النقدية الممزقة تشبه أصحابها؛ أنهكها الحصار حتى فقدت ملامحها، وصارت قيمتها موضع شكّ، تماما كحياة الناس نفسها.
لا تكمن الأزمة الاقتصادية الراهنة في غياب المال بقدر ما تتجسد في تعذّر تداوله. فعلى الرغم من وجود رواتب تُصرف وتحويلات تُرسل، فإن القيود المفروضة على النظام المصرفي وتوقّف أجهزة الصراف الآلي وتدهور السيولة النقدية أدّت إلى خلل عميق في الدورة الاقتصادية اليومية. هذا الخلل لا ينعكس فقط على حركة الأسواق، بل يعيد تشكيل علاقة الأفراد بالعمل والدخل والإنفاق، ويخلق اقتصادا هشّا يعتمد على وسطاء، وحلول مؤقتة، وبنى رقمية غير مستقرة. ومن خلال تتبّع التجربة اليومية للتجار والموظفين ومتلقّي التحويلات الخارجية، يمكن فهم كيف تحوّلت الأزمة المالية في غزة إلى حالة مستمرة من التعطيل، لا إلى حدث طارئ أو ظرف عابر.
مع منع إدخال أوراق نقدية جديدة منذ بداية الحرب، شهدت السيولة المتداولة تدهورا غير مسبوق. فقد أصبحت الأوراق النقدية ممزقة وباهتة، وأحيانا غير قابلة للتعرّف، ما أدى إلى رفضها من قبل المورّدين والتجار على حدّ سواء. وهكذا وجد الناس أنفسهم محاصرين بأموال لا قيمة لها، لا يمكن إنفاقها ولا استبدالها.
إعادة فتح المتاجر لم تعن عودة الحركة الاقتصادية. فحتى في فترات الهدوء النسبي، ظلّت المعاملات المالية شبه مستحيلة. البنوك قُصفت، أجهزة الصراف أُغلقت أو دُمّرت، والسيولة اختفت. غالبية السكان يعتمدون على رواتب أو تحويلات تُودَع في حساباتهم المصرفية، لكن دون بنوك أو صرافات، بقيت هذه الأموال حبيسة الأرقام. ومع غياب النقد، لجأت بعض المتاجر القليلة إلى قبول الأوراق التالفة مقابل رفع الأسعار بنسبة قد تصل إلى 40%، فتحوّل الشراء إلى عقوبة إضافية على الفقر.
إعادة فتح المتاجر لم تعن عودة الحركة الاقتصادية. فحتى في فترات الهدوء النسبي، ظلّت المعاملات المالية شبه مستحيلة.
ومع أن وقف إطلاق النار أتاح إعادة فتح بعض البنوك، إلا أنها بقيت بلا سيولة. الاقتصاد، الذي دمّرته الحرب، لم يُظهر أي علامة تعاف. فقد خسر ما يقارب 87% من قيمته مقارنة بما قبل الحرب، وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 161 دولارا فقط، بينما قفز التضخم بنسبة 238%، دافعا كامل سكان القطاع، البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، إلى ما دون خط الفقر. في ظل هذا الواقع، باتت السلع غير الأساسية ترفا بعيد المنال، إذ يضطر الناس إلى إعطاء الأولوية للطعام والمواصلات والدواء، حتى لو تمكنوا من سحب جزء من أموالهم عبر وسطاء يفرضون عمولات باهظة.

أزمة السيولة لم تترك مجالا للنجاة الفردية. حتى حين ينجح أحد الزبائن في الوصول إلى متجر، غالبا ما تفشل الصفقة بسبب انقطاع الإنترنت المفاجئ. تطبيقات التحويل البنكي، التي لجأ إليها الناس هربا من سماسرة النقد، تصطدم بواقع الكهرباء المنقطعة والاتصال الهش. يصبح البائع عاجزا عن تسليم بضاعته خوفا من عدم إتمام التحويل، لأن خسارة صفقة أو اثنتين قد تعني الإفلاس التام.
ولم تكن معاناة التجار استثناء. الموظفون الحكوميون وجدوا أنفسهم في قلب الأزمة ذاتها. رواتب تُصرف نظريا، لكن الوصول إليها يتطلب الوقوف لساعات أو النوم قرب الصرافات في الشوارع، وسط فوضى وسيطرة مجموعات تبيع أدوار الانتظار بالقوة والتهديد. ومع نفاد السيولة من أجهزة الصراف في الشمال خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ثم تدمير أو تعطيل معظمها في الجنوب لاحقا، لم يبق سوى عدد ضئيل جدا من الأجهزة العاملة في كامل القطاع. وهكذا أصبح الاعتماد على الوسطاء أمرا لا مفرّ منه، مع خسارة تقارب نصف الراتب الشهري لصالح العمولات.
أزمة السيولة لم تترك مجالا للنجاة الفردية. حتى حين ينجح أحد الزبائن في الوصول إلى متجر، غالبا ما تفشل الصفقة بسبب انقطاع الإنترنت المفاجئ.
في ظل هذا الخنق المالي، لجأ كثيرون إلى الاستدانة من الأقارب والأصدقاء، في محاولة يائسة لسدّ احتياجات أساسية في وقت ارتفعت فيه الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. العيش بلا نقد، وبرواتب مبتورة، في واقع نزوح ودمار شامل، خلق شعورا عميقا بالعجز، ليس فقط عن إعالة الأسرة، بل عن الحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

امتدّ هذا الشلل ليطال التحويلات الخارجية، التي كانت شريان حياة لكثير من العائلات. مع إغلاق البنوك وتقييد خدمات التحويل الدولية، انقطعت صلة غزة المالية بالعالم. توقفت قنوات مثل "ويسترن يونيون" و"باي بال"، وخضع المرسلون لسيل من الاستجوابات والتعقيدات. في مواجهة هذا الانسداد، ظهرت العملات الرقمية كبديل اضطراري، بعد أن كانت شبه مجهولة في القطاع. تميّزت هذه الوسيلة بسرعة التحويل وقلة القيود، لكنها اصطدمت بواقع آخر: انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت.
هكذا، يجد سكان غزة أنفسهم في اقتصاد بلا نقد، وبنوك بلا مال، ورواتب بلا وصول، وحلول رقمية معلّقة على خيط إنترنت واهن.
حتى هذا الحل الهشّ لم يكن آمنا. كثيرا ما تعطلت العمليات بسبب فقدان الاتصال، واضطر العاملون في هذا المجال إلى استثمار مبالغ طائلة في ألواح شمسية لتحسين الاتصال، قبل أن تُدمّر بدورها في غارات لاحقة. ورغم أن عددا متزايدا من المتاجر بدأ يقبل العملات الرقمية، إلا أن الأسعار غالبا ما تكون أعلى، وتحويلها إلى نقد يرافقه فقدان كبير في القيمة، قد يتجاوز 30%.
هكذا، يجد سكان غزة أنفسهم في اقتصاد بلا نقد، وبنوك بلا مال، ورواتب بلا وصول، وحلول رقمية معلّقة على خيط إنترنت واهن. ليست الأزمة مجرد خلل مالي، بل سياسة خنق كاملة، تجعل من أبسط تفاصيل الحياة اليومية اختبارا قاسيا للصبر. في هذا المكان، يصبح المال شاهدا إضافيا على الحرب: ممزقا، غائبا، أو محجوزا خلف شاشات لا تضيء، بينما يستمر الناس في محاولة العيش، لا لأن الظروف تسمح، بل لأن التوقف لم يعد خيارا.