قباطية: هدم مؤجل وحصار مفتوح
31 ديسمبر 2025
في قباطية، لا يبدأ الحصار من الحواجز، بل من البيوت. من اللحظة التي يتحول فيها الاسم إلى تهمة، والجار إلى هدف، والجدار إلى شاهد على عقاب لا يفرّق بين فاعل ومحيط، والبلدة بأكملها تتحول إلى ساحة عقاب جماعي. ما يجري لم يكن اقتحاما عابرا، بل فعلا يُعيد تشكيل الحياة بالقوة، ويختبر صبر الناس على الخسارة المتكررة: خسارة الأمان، وخسارة البيت.

عصر يوم الجمعة الماضي، كانت البلدة تعيش إيقاعها المعتاد، قبل أن ينقلب المشهد دفعة واحدة. آليات عسكرية، جرافات، دبابات، اقتحمت قباطية من عدة محاور، وأُغلقت المداخل، وتحولت أحياء كاملة إلى مناطق عسكرية. إعلان الاحتلال أن منفذ العملية الفدائية هو الشاب أحمد أبو الرب من البلدة، لم يكن خبرا عابرا، بل كان الشرارة التي أشعلت حصارا مشددا، واقتحاما واسعا، وعقابا جماعيا لم يتوقف عند حدود بيت المنفذ.
عند عودته، لم يجد بيته كما تركه. باب رئيسي مُفجّر، نوافذ مكسّرة، فوضى متعمدة في كل زاوية، وأموال ومصاغ ذهبي مسروقة.
في منطقة جبل الدامونة، حيث بيت أحمد أبو الرب، بدا المشهد أقرب إلى عملية اقتلاع منه إلى مداهمة. منازل دُهمت، وأبواب فُجّرت، ومحتويات عُبث بها، فيما أُجبرت عائلات على إخلاء بيوتها خوفا من المصير نفسه. بلال كميل، أحد الجيران، يروي كيف اضطر إلى مغادرة منزله فورا بسبب قربه من بيت المنفذ، ليجد نفسه لاجئا مؤقتا في بيوت الأقارب، بينما حوّلت قوات الاحتلال منزله إلى ثكنة عسكرية لمدة يومين.
عند عودته، لم يجد بيته كما تركه. باب رئيسي مُفجّر، نوافذ مكسّرة، فوضى متعمدة في كل زاوية، وأموال ومصاغ ذهبي مسروقة. مشهد الخراب لم يكن أقل قسوة في منزل عائلة أبو الرب، الذي لم يتعرف عليه كميل للوهلة الأولى. الشقة شُمّعت بالشمع الأحمر، ومُنعت العائلة من دخولها، مع مهلة محدودة للطعن في قرار هدمها.

لكن العقاب لم يقف عند الجدران. والد أحمد اعتُقل فور وصول القوات، وفي اليوم التالي جرى اعتقال اثنين من أشقائه العاملين في الداخل المحتل، لتُترك العائلة بلا معيل، في صورة تتكرر كثيرا ضمن سياسة يعرفها الفلسطينيون جيدا: معاقبة العائلة بوصفها امتدادا للذنب.
الاستهداف لم يقتصر على بيت واحد. حنان كميل، إحدى الجارات، تتحدث عن بيوت حُولت إلى ثكنات ومراكز تحقيق، عن سرقة أموال ومقتنيات شخصية، وعن دمار طال تفاصيل الحياة اليومية، دون أي اعتبار لكون أصحاب هذه البيوت مجرد جيران.
ما جرى في قباطية ليس حدثا معزولا، بل فصل جديد من سياسة العقاب الجماعي، حيث يُعاقَب المكان لأنه أنجب، ويُحاصَر الناس لأنهم قريبون.
على مستوى البلدة، يوضح رئيس بلدية قباطية أحمد زكارنة أن الاقتحام جاء بأوامر مباشرة للعمل "بقوة" في البلدة، حيث تمركزت القوات في جبل الدامونة، وحاصرت منزل المنفذ، وأجرت مسحا هندسيا تمهيدا لهدمه. عشرات المنازل دُهمت، وأكثر من خمسين شابا اعتُقلوا ونُقلوا إلى ثكنات عسكرية للتحقيق الميداني، فيما أُغلقت المداخل بسواتر ترابية، وجُرفت شوارع داخلية، حتى تلك التي كانت قد عُبّدت حديثا.
البنية التحتية لم تسلم من هذا العقاب. كوابل كهرباء قُطعت، أعمدة ومحولات دُمرت، وانقطعت الكهرباء عن أجزاء واسعة من البلدة لساعات طويلة. ورغم الإمكانيات المحدودة، حاولت طواقم البلدية معالجة ما أمكن إصلاحه، في سباق مع الزمن لإعادة الحد الأدنى من الحياة إلى شوارع أُعيد تشكيلها بالجرافات.
ما جرى في قباطية ليس حدثا معزولا، بل فصل جديد من سياسة العقاب الجماعي، حيث يُعاقَب المكان لأنه أنجب، ويُحاصَر الناس لأنهم قريبون. وبين التهديد بهدم المنزل، واستمرار الحصار، تعيش قباطية حالة ترقّب ثقيلة، تعرف أن الاقتحام قد ينتهي، لكن أثره يبقى طويلا في البيوت، وفي الذاكرة، وفي الخوف الذي يتسلل بصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية.