حامد البيتاوي.. شيخ فلسطين وفارس منابرها
18 يناير 2026
في سيرة الشيخ حامد البيتاوي لا يمكن الاكتفاء بالإشارات العابرة أو بالملامح العامة، لأنه لم يكن حالة عابرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، بل مسارا متكاملا تشكّل على مدى أكثر من نصف قرن. وفي حضوره، لم يكن الدين خطابا معلقا في الهواء، ولا السياسة لعبة شعارات، بل التزاما ثقيلا يجرّ صاحبه إلى المنبر، ثم إلى المعتقل، ثم إلى الإبعاد. كان الرجل، منذ بداياته، ابن منبر لا يهادن، وصوت ضمير لا يتخفف من تبعات الكلمة، ينهض بها كاملة أو لا يقولها. من أولئك الذين فهموا المواقف بوصفها قدرا، فإذا نُطقت وجب أن تُستكمَل تبعاتها كاملة، بلا خوف ولا حسابات نجاة.

بدأت الحكاية في نابلس، في دار الإخوان، حيث جلس الشاب حامد يستمع أكثر مما يتكلم. هناك، لم يتعلّم الخطابة بقدر ما تعلّم الصمت المسؤول، والإنصات الذي يسبق الفعل. كان الشيخ مشهور الضامن - أمير جماعة الإخوان المسلمين آنذاك - يفتح النص، وحامد يفتح قلبه، وبين النص والقلب تشكّل وعيٌ مبكر، من تلك الأمسيات الأولى، حين كانت سورة العصر تُتلى جماعيا وتُقرأ المأثورات قبل الغروب، سلكت قدماه طريقا لم يغادره حتى آخر العمر.
انقاد حامد خضير إلى شُعبة الاخوان وتعلق بها وانتضم بفعالياتها وأنشطتها ولازم العمل مع إخوانه لرفع راية الدعوة، وصار يتردد على الشعبة وغدى من الاخوان المسلمين في المدينة. وفي تلك المرحلة، تشكّلت شخصيته على قاعدة صارمة من الانضباط الإيماني، والوضوح الفكري، والجرأة في الموقف.
تطوع للخطابة في مساجد قرى نابلس، وبدأ مسيرة الدعوة في مسقط رأسه. ومع اتساع نشاطه الدعوي، صار صوته مألوفا في نابلس وقراها، ثم في الضفة كلها.
بعد تخرج الشيخ حامد من المدرسة الثانوية في نابلس عام 1964، انتقل إلى الجامعة الأردنية لدراسة الشريعة. هناك، احتكّ بأسماء بارزة في العمل الإسلامي، وتعلّم أن الدعوة ليست خطابا محليا محدودا، بل جزء من حركة أوسع، تتقاطع فيها الأسئلة الفكرية مع قضايا الأمة الكبرى.
عاد البيتاوي إلى فلسطين عام 1968، وهو أكثر رسوخا، وأكثر إدراكا لطبيعة المعركة: معركة طويلة، لا تُحسم بالخطب وحدها، لكنها لا تُخاض من دونها. فقد تطوع للخطابة في مساجد قرى نابلس، وبدأ مسيرة الدعوة في مسقط رأسه. ومع اتساع نشاطه الدعوي، صار صوته مألوفا في نابلس وقراها، ثم في الضفة كلها. كان يخاطب الناس بلغة قريبة، لكنها غير مُهادِنة؛ لغة تستدعي النص القرآني والسنة، لإعادة ربط الإيمان بالفعل اليومي، وبالموقف من الظلم، وبالاستعداد لدفع ثمن الكلمة.

في سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد القمع الإسرائيلي، بدأ الشيخ البيتاوي يدفع أثمان مواقفه. فرضت عليه الإقامة الجبرية، ثم لاحقته الاعتقالات، لكن هذه الإجراءات لم تنجح في ترويض صوته. على العكس، بدا أن المحنة تزيده صلابة وانضباطا، وتُصفّي لغته، وتُقرّبه من الناس.
بلغ حضوره ذروته حين اعتلى منبر المسجد الأقصى. هناك، لم يكن المكان مجرد فضاء للخطابة، بل رمزا مكثفا للصراع كله. خطبه في الأقصى لم تكن دعوية تقليدية، بل بيانات وعي، تُعيد تعريف العلاقة بين المقدس والسياسي، وبين العبادة والمقاومة. لذلك رآه الاحتلال خطرا حقيقيا، لا لأنه يحمل سلاحا، بل لأنه كان يُعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويزرع في النفوس يقينا بأن الاحتلال ليس قدرا، وأن القوة ليست حكرا على من يملك السلاح.
في الانتفاضة الأولى، ظهر الشيخ البيتاوي بوصفه أحد أبرز موجّهي الحراك الشعبي من المنابر. لم يكن قائدا تنظيميا بالمعنى الضيق، لكنه كان محفزا، ومصدرا للمعنى، ورافعة معنوية للجماهير.
في عام 1998، اعتلى الشيخ حامد البيتاوي منبر المسجد الأقصى المبارك، وألقى خطبة نبّه فيها الاحتلال إلى خطورة المساس بالمسجد الأقصى هدما أو تقسيما، وقال فيها: "من يهدم الأقصى سيُهدم كيانه". وفي اليوم التالي، تلقّفت الصحافة العبرية عبارته وصدّرتها عناوينها، لتتحول الكلمة التي خرجت من المنبر إلى رسالة سياسية مدوّية. ولم تمضِ فترة قصيرة حتى تلقّى الشيخ اتصالا من أحد المسؤولين الصهاينة، هدّده فيه بقدرة إسرائيل على تنفيذ التصفيات، وسأله إن كان لا يخشى أن يطاله ذلك المصير، فأجابه الشيخ بهدوء الواثق بأن حياته وأجله بيد الله لا بيد البشر، مستشهدا بقوله تعالي: "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". وحين سُئل: " من الذي سيهدم دولتنا إن هدمنا المسجد الأقصى؟"، قال: " لله عز وجل سيهدم كيانكم ودولتكم لأن المسجد الأقصى بيت الله وللبيت رب يحميه، هذا أولاً، ثم نحن المسلمون سنثأر منكم إن هدمتم المسجد الأقصى .. فكروا بعقولكم لا بعضلاتكم وأسلحتكم فقد أعذر من أنذر".
في الانتفاضة الأولى، ظهر الشيخ البيتاوي بوصفه أحد أبرز موجّهي الحراك الشعبي من المنابر. لم يكن قائدا تنظيميا بالمعنى الضيق، لكنه كان محفزا، ومصدرا للمعنى، ورافعة معنوية للجماهير. وحين اعتُقل، لم يتحول السجن إلى قطيعة، بل إلى امتداد للدعوة. هناك، حفظ القرآن، وربّى الشباب، وكرّس صورة الشيخ الذي لا ينكسر حين يُجرّد من حريته.
ثم جاء الإبعاد إلى مرج الزهور عام 1992، تلك اللحظة المفصلية التي كشفت معادن الرجال، حيث أبعد الاحتلال 415 فلسطينيا من قادة الرحكة الإسلامية. في ذلك المنفى القاسي، لم ينكفئ الشيخ، بل لعب دورا مركزيا في تنظيم الحياة الدعوية للمبعدين، وتحوّل الإبعاد إلى مدرسة سياسية وروحية في آن. وهناك تقلد الشيخ شرف رئاسة رابطة علماء فلسطين، وبقي على رأسهم حتى آخر أيامه.

في المحاكم الشرعية، كان القاضي العادل، الحريص على الإصلاح، الساعي إلى رأب الصدع الاجتماعي. لم يكن صداميا في كل شيء؛ كان صلبا في المبادئ، مرنا في إدارة الخلاف الاجتماعي، مدركا أن العدالة ليست نصوصا جامدة، بل حساسية أخلاقية تجاه الناس وهمومهم.
وفي انتفاضة الأقصى، عاد صوته ليتقدم المشهد. أفتى، وواسى، وشارك في بيوت العزاء، ورفع المعنويات في زمن كان الموت فيه حاضرا في كل بيت. وحين دخل المجلس التشريعي نائبا، لم يتحول إلى سياسي تقليدي. ظلّ الشيخ هو الشيخ، حاملا مصحفه، معلنا ثوابته، غير معنيّ بتجميل الخطاب لإرضاء أحد.
وفي مرضه الأخير، اختار أن تكون نهايته على مقربة من الأقصى، المكان الذي حمل همه طويلا، ورفض أن يتداوى في مشافي المحتل وآثر أن يتداوى في مستشفى المقاصد بالقدس.
ومن خلف قضبان السجن عاد الشيخ حامد البيتاوي إلى منابر الحق نائبا عن شعبه وشيخا لهم، أكثر ثباتا وأشدّ إصرارا على قول الكلمة التي لا تساوم. واصل صدحه بالحق غير آبه بالتهديد أو العزلة، حتى ضاق بعضهم بصوته الذي لم يعرف المهادنة، فاستُهدف في عام 2007 بمحاولة اغتيال، غير أنّ الله نجّاه من الموت بأيديهم. وحين خرج من المحنة، لم ينشغل بالمطالبة بحقه الشخصي، بل آثر تجاوز الجراح، ممسكا بخيار وحدة الأمة، ومقدّما المعنى العام على الثأر، كما اعتاد طوال مسيرته.
وفي مرضه الأخير، اختار أن تكون نهايته على مقربة من الأقصى، المكان الذي حمل همه طويلا، ورفض أن يتداوى في مشافي المحتل وآثر أن يتداوى في مستشفى المقاصد بالقدس. وعلى بعد خطوات من المسجد الأقصى فاضت روح الشيخ حامد البيتاوي، وترجل الشيخ بعد أكثر من خمسين عاما من الدعوة والجهاد.