المحو المُخطّط لرأس عين العوجا: حين يصبح التهجير سياسة يومية
1 فبراير 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لا يبدأ التهجير دائما بصوت الانفجار، ولا يُعلن نفسه بمرسوم رسمي. أحيانا يتسلّل ببطء، على هيئة بؤرة استيطانية صغيرة، طريق يُحرث، سلك كهرباء يُقطع، وقطيع أغنام يُدخَل عمدا إلى قلب القرية. هكذا يُمحى المكان دون أن يُقال صراحة إنه يُمحى. وهكذا انتهت رأس عين العوجا، لا كحدث طارئ، بل كفصل محسوب في سياسة طويلة الأمد تهدف إلى تفريغ المنطقة "ج" من أصحابها الفلسطينيين، وتحويل الحياة فيها إلى عبء لا يُحتمل.

على مدى سنوات، شكّلت رأس عين العوجا واحدة من آخر التجمعات الرعوية الفلسطينية الصامدة في الأغوار الجنوبية. مجتمع صغير، متجذّر في الأرض، قائم على الرعي والماء والعلاقة المفتوحة مع المكان. لكنه كان أيضا هدفا مكشوفا، لأن بقائه بحد ذاته مثّل نقيضا مباشرا للمشروع الاستيطاني القائم على الاحتلال والسيطرة.
التحوّل الحاسم لم يكن مفاجئا، لكنه كان قاطعا. مع نهاية ديسمبر، أقام المستوطنون بؤرة استيطانية في قلب القرية. لم تكن مجرد إضافة عمرانية، بل أداة حصار: حرث للأراضي الخاصة، تدمير للطريق الرئيسي، قطع للكهرباء، ومنع للمياه. ثم صار الذهاب إلى المدرسة مخاطرة، وجلب صهريج الماء مغامرة، والرعي -أساس الحياة- فعل تحدّ يومي. لم تعد القرية محاصَرة عسكريا فقط، بل مُنهكة حياتيا.

في صباح الثامن من يناير، تكثّف المشهد. عائلات تفصل بيوتها قطعة قطعة، كأنها تنتزع ذاكرتها بيديها. نساء يحملن ما يمكن حمله من حياة، أطفال يجرّون ألعابهم، وشبان يفككون الجدران بحثا عن بقايا مأوى في مستقبل مجهول. وفي الخلفية، كان المستوطنون يراقبون، محاطين بحماية غير معلنة، لكنها مفهومة.
لم يكن العنف هنا وليد اللحظة، بل تراكميا. عامان من المضايقات، سرقة المواشي، الاعتداءات على الطرق، التهديد المباشر، كلها شكّلت ما يمكن تسميته بـ"الضغط الوجودي". ضغط لا يقتل فورا، لكنه يدفعك في النهاية إلى الرحيل باعتباره الخيار الوحيد للبقاء. وهنا تكمن الخطورة: تهجير بلا أوامر إخلاء، بلا جرافات رسمية، وبلا صور صادمة، تهجير يبدو "طوعيا"، لكنه في الحقيقة نتيجة حصار ممنهج.
تهجير بلا أوامر إخلاء، بلا جرافات رسمية، وبلا صور صادمة، تهجير يبدو "طوعيا"، لكنه في الحقيقة نتيجة حصار ممنهج.
الأغوار الجنوبية ليست استثناء. ما جرى في رأس عين العوجا يكرر نمطا بات مألوفا في تجمعات فلسطينية أخرى مثل المعرّجات ومغاير الدير: بؤرة في المركز، عنف متسارع، ثم فراغ بشري خلال أيام. إنها معادلة مجرّبة: حين يُزرع المستوطن في قلب التجمع، يصبح الزمن نفسه عدوا للسكان.
اللافت أن هذا المحو لا يتم رغم الدولة، بل عبرها. فغياب القانون ليس تقصيرا، بل سياسة. والامتناع عن التدخل ليس حيادا، بل اصطفاف. الجيش والشرطة والإدارة المدنية لا يحتاجون إلى قيادة عملية الطرد مباشرة؛ يكفي أن يتركوا المستوطنين يفعلون ما يعرفون جيدا كيف يفعلونه. وعندما تُقدَّم الشكاوى، تُهمل. وعندما تُطلب الحماية، تُؤجَّل. أما حين يُقرّر السكان الرحيل، فذلك يُسجَّل كـ"خيارهم".

لكن ما يُمحى هنا ليس فقط البيوت، بل المعنى. رأس عين العوجا لم تكن مجرد تجمع سكاني، بل ذاكرة لجوء متكرّرة. سكانها لاجئون أصلا من النقب، هُجّروا عام 1948، ثم أُجبروا على الرحيل من مسافر يطا، ليستقروا هنا منذ ثلاثة عقود. واليوم، تُعاد كتابة النكبة بصيغة يومية، بلا تاريخ واحد، وبلا نهاية واضحة.
تفكيك البيت بيد صاحبه هو أقسى أشكال العنف. لأنه يحوّل الضحية إلى منفّذ، ويجعل الخسارة فعلا ذاتيا. حين يحرق السكان ما تبقى من منشآتهم كي لا يستولي عليها المستوطنون، فهم لا يمارسون التخريب، بل يحاولون حماية ما تبقى من كرامتهم.
رأس عين العوجا ليست قصة قرية فقط، بل مؤشر على ما ينتظر ما تبقى من تجمعات المنطقة "ج". فحين ينجح النموذج مرة، يُعاد تطبيقه.
رأس عين العوجا ليست قصة قرية فقط، بل مؤشر على ما ينتظر ما تبقى من تجمعات المنطقة "ج". فحين ينجح النموذج مرة، يُعاد تطبيقه. يبدأ بالصغير، ثم يتوسع. وما دام العنف الاستيطاني بلا كلفة، والتهجير بلا محاسبة، فإن السؤال لم يعد: هل سيحدث ذلك مجددًا؟ بل: أين سيكون الموقع التالي؟
في الأغوار، كما في أماكن أخرى، لا يُهزم الناس دفعة واحدة. يُستنزفون. يُرهقون. يُدفعون إلى الاختيار بين الرحيل أو الانكسار. وهنا تحديدا، يصبح التهجير سياسة صامتة، والمحو عملية بطيئة.