24 عاما على عتبة الغياب: حكاية أم الأسير مهند شريم
3 فبراير 2026
لطالما كانت السيدة خولة شريم جبل المحامل، وقفت عمرها على عتبة الانتظار، ترقب عودة ابنها المعتقل في السجون الاحتلال الإسرائيلي، اختبرت اعتقال أبنائها الثلاثة دفعة واحدة، فعرفت كيف يمكن للأم أن تُحرق حية دون أن يترك اللهب أثره على الجسد. احتسبت وصبرت؛ أُفرج عن اثنين، وبقي ابنها مهند أسير القيد والغياب.
امتد الانتظار عاما يتلوه عام، حتى بلغ أربعة وعشرين عاما من الشوق والدعاء. فكيف لقلب أم أن يحتمل هذا الفراق الطويل؟ وكيف لروح أن تبقى واقفة كل هذا الزمن، لا تسقط، ولا تنسى، ولا تيأس؟

أم الأسير مهند شريم نموذج فريد في زمن الغرابة؛ أم تعلم يقينا أن اليأس خيانة لروح ابنها المنهك في خلف القضبان، 24 عاما لم تمر على قلب واحد، بل على صبر يتجدد كل يوم. تعملت أن تحيا بنصف قلب، وتُبقي النصف الآخر معلقا على باب السجن.
أُعتقل شريم عام 2002، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد 29 مرة. يعاني اليوم من أوضاع صحية صعبة، وتعرض مرارا للعزل الانفرادي. ورغم كل المسببات التي تقول إن تحرره صار سرابا، تؤمن والدته أن الغياب امتحان، وأن اللقاء مهما طال حق.
تقول والدته: "كان مهند طفلا هادئا مطيعا، ابنا بارا. كبر وأنا أرى فيه رجلا عظيما، لكن الاحتلال لم يسمح له أن يكبر أمام عيني، 24 عاما كبر فيها بعيدا عني؛ ظهرت التجاعيد واشتعل الشعر شيبا خلف القضبان، ولم أره وهو يتغير ويكبر".
لم يستسلم مهند داخل السجن؛ واصل تعليمه، وحصل على درجة الماجستير في الدراسات الإقليمية (مسار الدراسات الإسرائيلية) من جامعة القدس بتقدير عام جيد جدا، ولم يكن طالب علم فحسب، بل قارئا نهما، يصنع من الوقت المحاصر أفقا أوسع من الجدران.
تقول والدته: "كان مهند طفلا هادئا مطيعا، ابنا بارا. كبر وأنا أرى فيه رجلا عظيما، لكن الاحتلال لم يسمح له أن يكبر أمام عيني، 24 عاما كبر فيها بعيدا عني؛ ظهرت التجاعيد واشتعل الشعر شيبا خلف القضبان، ولم أره وهو يتغير ويكبر".
في عام2002، لم يُسجن مهند وحده؛ اعتقل شقيقه الأكبر منصور، وُحكم عليه بالسجن 17 شهرا وغرامة مالية قيمتها 19 ألف شيكل. وبعد 5 أشهر اعتقل الشقيق الأصغر محمد، وصدر في حقه حكم بالسجن 30 شهرا.

تعود السيدة خولة بذاكرتها إلى بدايات الزيارات، حين حفظت الطريق إلى السجن كما يُحفَظ الدعاء. كانت تزور مهند مرة واحدة كل عام برفقة والده حتى عام 2006. تقول:
"في ذلك العام ذهب زوجي وحده لزيارة مهند في سجن مجدو، وفي طريق العودة، وعلى الحاجز، أصيب بجلطة قلبية وتوفّي على الفور".
كان وقع الخبر قاسيا على مهند وهو وحيد في سجنه؛ كأن الهواء تحوّل حجرا على صدره. فقد وعيه عند سماع الخبر، وغاب ثلاثة أيام كاملة، لا يدري إن كان ما سمعه حقيقة أم كابوسا أثقل من سنوات الأسر.
استفاق ليجد نفسه أكثر وحدة؛ يحمل وجع الأسر ووجع الفقد الذي لا باب للهروب منه. صار السجن أضيق، والليل أطول، والذاكرة خائفة أن تنسى وجوه الأحبة. تضيف والدته:
"بعدها صرنا نزوره أنا وأخته مرة كل عام، حتى جاءت حرب غزة، فانقطعت الزيارات. صار المحامون وسيلتنا الوحيدة للاطمئنان عليه، وكل زيارة تكلفنا ألفي شيكل. وصلتنا أخبار أنه يقبع في العزل الانفرادي منذ عامين، بلا طعام كاف ولا ملابس، وحالته الصحية سيئة".
يعاني مهند من آلام حادة في الظهر والمفاصل، فقد نحو 45 كيلوغراما من وزنه، وأُصيب بمرض "السكابيوس" في سجن مجدو قبل نقله إلى العزل.
تتابع والدته: "أتذكّر الزيارات وكل العذاب الذي كنّا نمرّ به نحن أهالي الأسرى. مرة ذهبت ومعي تصريح لزيارة مهند، فسحب الاحتلال التصريح ومنعني من رؤيته. منذ عامين لم أره. اشتقت له كثيرًا، وحين أراه سنبكي معا".
ما زالت والدته تنتظره في البيت الذي لم يره مهند قط، بعد أن هدم الاحتلال بيت طفولته في طولكرم. وعلى الرغم من أحكام المؤبد، تؤمن أن اللقاء آت لا محالة، وأن الزمن، مهما طال سيأتي بالجبر.
لا تتوقف إدارة السجون عن التنكيل بالأسرى، وتحاربهم نفسيا بكل الطرق. أخبر أحد السجانين مهند أن "المقاومة تخلّت عنه" بعد غياب اسمه عن الصفقة الأخيرة، فردّ بثبات: "من كان ينتظر الجنود، فإن الجنود قد ذهبوا، ومن كان يعتصم بالله، فإن الله باق وهو ناصره".
ما زالت والدته تنتظره في البيت الذي لم يره مهند قط، بعد أن هدم الاحتلال بيت طفولته في طولكرم. وعلى الرغم من أحكام المؤبد، تؤمن أن اللقاء آت لا محالة، وأن الزمن، مهما طال سيأتي بالجبر. تحلم أن تحمل أحفادها بين يديها، وتمشي بهم في شوارع البلدة مرفوعة الرأس، لتقول بصوت امتلأ جبرا بعد طول كسر: "هذول ولاد مهند… ربنا جبرنا".