حين يصبح المرض زنزانة إضافية: مشاهد من داخل سجون الاحتلال
4 مارس 2026
الاحتلال لا يكتفي بقضبان الحديد، ولا يرضى بالجدران وحدها، بل يتفنّن في إيذاء الأسرى بطرق لا تخطر على عقل، ويبتكر للعذاب وجوها جديدة، لعلّ أقساها أن يجعل المرض نفسه أداة قهر.
في الأسر، لا يأتي الوجع وحده، بل يُستدعى ويُدار ويُستخدم، حتى يصبح الجسد ساحة عقاب مفتوحة، ولا يُستقبل المرض بالعلاج، بل بالسخرية، لا تُقابل الشكوى بالفحص، بل بالنهر والصراخ والغضب.
يُؤجَّل الدواء مرة بعد مرة، حتى يفقد معناه، ويُترك الأسير وحيدا في مواجهة ألمه، يتقاسم وجعه مع الجدران الباردة والوقت الثقيل، ومع كل “عدد”، يقف ممرض من إدارة السجون، لا بوصفه منقذا، بل شريكا في القسوة، يتقن تعذيب المؤذي قبل الأصحاء، ويعرف كيف يضغط على الوجع حتى يصرخ.
قبل حرب الإبادة، كانت حبة الأكامول علاجا لكل شيء، رمزا ساخرغ لطبّ هزيل، أما بعدها، فلم تعد حتى تلك الحبة مضمونة.
تحوّل الدواء من حقٍّ أساسي إلى مكافأة مشروطة، ومن إجراءٍ إنساني إلى أداة ضغط وانتقام. صار الفحص وعدًا مؤجّلًا، والشكوى عبئًا، والانتظار سياسة.
في الزنازين، لا يُقاس المرض بدرجته الطبية، بل بقدرة الجسد على الاحتمال. آلام الكلى تُقابل بالتجاهل، التهابات الصدر تُسفَّه، الجروح تُترك حتى تتقيّح، وكأن الألم نهجٌ معتمد لا خللٌ طارئ.
أما “العيادة”، إن خرجت إليها أصلا، فهي محطة إذلال إضافية: انتظار طويل، نداء بإسلوب مذل لا بأسماء، نظرات قاسية تُحمّل الأسير ذنب مرضه، وهناك من دخل الأسر وخرج منه، ولم يرَ العيادة مرة واحدة، رغم أن المرض كان ينهشه يومًا بعد يوم.
وحين تُغلق الأبواب كلها، يبتكر الأسرى طرقهم للبقاء، يلجؤون إلى أطباء معتقلين، يتبادلون الأسئلة والأجوبة عبر النوافذ الخلفية، ويحاول بعضهم تركيب علاج من بقايا أدوية كانت متوفرة قبل حرب الإبادة.
طبٌّ بدائي، لكنه مشبع بالمسؤولية والإنقاذ، في مواجهة منظومة تتعمّد الإهمال.
الأخطر أن هذا المشهد ليس استثناء، بل نمطا، يُستخدم المرض لكسر الإرادة، لدفع الأسير إلى الاعتراف أو التنازل، أو لمعاقبته فقط لأنه ما زال حيا، هنا، لا يُعالج الجسد، بل يُختبر، ولا يُخفَّف الألم، بل يُدار ببرود.
قمة العجز أن ترى الألم ماثلا أمامك، في جسد صديق أو أخ أو شيخٍ وقور، وألا تملك سوى المشاهدة، كان معنا ابن صديق يعاني من أزمات عصبية حادة كادت تودي بحياته.
نصرخ وننادي: “حوفيش”، أي ممرض بلغة الاحتلال، إن جاء، جاء بعد انتهاء الأزمة، وإن حضر قبلها، وقف ساخرا، وقال لمن حوله من الشرطة: “إنه يسخر منا”، هكذا ببساطة.
في إحدى المرات، قالها علنا، فدخلوا وضربوه وهو في ذروة أزمته، سال الدم من رأسه، والوجع أصبح مضاعفا.