كيف يتحول قانون الطوارئ إلى عقاب جماعي للأسرى؟
2 أبريل 2026
في كل مرة تتسع فيها دائرة الحرب في المنطقة، لا تبقى تداعياتها عند حدود الجبهات المشتعلة، بل تمتد لتصل إلى الزنازين المغلقة خلف الجدران العالية. ومع اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، يعيش الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال واقعا أكثر قسوة، حيث تتحول حالة الطوارئ المعلنة في الخارج إلى حالة عقاب جماعي في الداخل.
في كل مرة تُعلن فيها حالة الطوارئ في البلاد، تتعمق معاناة الأسرى داخل السجون الإسرائيلية أكثر. أمس فُرضت داخل السجون حالة تُسمى "القفل" فتحولت الزنازين إلى عزل كامل، ويبقى الأسرى داخلها لـ24 ساعة متواصلة.
"في كل حالة طوارئ، تتسع عزلة الأسرى أكثر، ويُضاف حصار جديد داخل الحصار". هذه الكلمات لا تعبّر فقط عن توصيف إداري لإجراءات أمنية، بل تصف واقعا يوميا يعيشه آلاف الأسرى خلف القضبان. فحالة "القفل" تعني عمليا إغلاق الأقسام بشكل كامل، ومنع الأسرى من الخروج إلى ساحة الفورة، وحرمانهم من الحركة أو التواصل، حتى داخل القسم الواحد. يتحول السجن إلى علبة مغلقة، وتتحول الزنزانة إلى عزلة قسرية تمتد لساعات طويلة، تتراكم فيها الضغوط النفسية قبل الجسدية.
من أخطر الإجراءات التي تُتخذ في مثل هذه الظروف إلغاء جلسات المحاكم. فالأسرى، خاصة الموقوفين منهم، ينتظرون جلساتهم كنافذة أمل، أو على الأقل كفرصة لمعرفة مصيرهم القانوني. لكن في ظل الحرب، يتم تأجيل هذه الجلسات إلى أجل غير مسمى، ما يعني تمديد الاعتقال الفعلي دون حسم قضائي. هذا التأجيل لا يطيل فقط أمد المعاناة، بل يرسخ حالة عدم اليقين، ويضع الأسرى وعائلاتهم في دائرة قلق مفتوحة.
منع المحامين من الزيارة
مع إعلان الطوارئ، يُمنع المحامون في كثير من الأحيان من زيارة الأسرى، بحجة الظروف الأمنية. هذا الإجراء يحرم الأسير من حقه في التواصل القانوني، ويقطع قناة نقل المعلومات إلى العالم الخارجي. فالمحامي ليس مجرد ممثل قانوني، بل هو عين الأسير وصوته. وعندما يُمنع من الدخول، يصبح ما يجري داخل السجون معتما، بلا شهود.
لا تقتصر الإجراءات على الجوانب القانونية، بل تمتد إلى التفاصيل اليومية. تتأخر وجبات الطعام لساعات طويلة، وأحيانا تُقدّم باردة أو بكميات أقل. قد يبدو الأمر بسيطا لمن ينظر من الخارج، لكنه داخل السجن جزء من منظومة ضغط ممنهجة. فالطعام في بيئة الأسر ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل هو عنصر أساسي في توازن الأسير الجسدي والنفسي، وأي عبث به يُشعر الأسير بأنه مستهدف في أدق تفاصيل حياته.

في ظل الحرب، يُفرض تعتيم شبه كامل على أوضاع الأسرى. تنقطع الأخبار، وتُمنع وسائل الإعلام من الوصول إلى أي معلومات دقيقة. تعيش العائلات في الخارج على الشائعات والتسريبات، دون قدرة على الاطمئنان على أبنائها. هذا التعتيم يزيد من معاناة الأهالي، ويحوّل القلق إلى حالة يومية من الترقب والخوف.
أشد ما في الأمر هو العزل المتكرر، سواء كان عزلا جماعيا عبر "القفل"، أو عزلا فرديا لبعض الأسرى. العزل يعني انقطاعا عن الرفاق، عن الحديث، عن أي تواصل إنساني. في زمن الحرب، يصبح العزل وسيلة إضافية للضغط، وكأن السجن لا يكفي، فيُضاف إليه سجن داخل السجن.
بينما تتركز أنظار العالم على الجبهات والصواريخ، يبقى آلاف الأسرى في صمت الزنازين، يعيشون حربا أخرى، غير مرئية، لكنها لا تقل قسوة.
في المحصلة، تتحول الحرب الجارية إلى ذريعة لتشديد القبضة على الأسرى الفلسطينيين، فتتضاعف الإجراءات، وتتقلص الحقوق، ويغيب أي أفق واضح لتحسن الأوضاع. وبينما تتركز أنظار العالم على الجبهات والصواريخ، يبقى آلاف الأسرى في صمت الزنازين، يعيشون حربا أخرى، غير مرئية، لكنها لا تقل قسوة.
إن ما يجري داخل السجون في أوقات الطوارئ ليس مجرد تدابير مؤقتة، بل هو اختبار حقيقي لمدى احترام الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية. وفي كل مرة تُعلن فيها حالة الطوارئ، يُطرح السؤال ذاته: إلى متى يبقى الأسرى الحلقة الأضعف التي تتحمل كلفة كل تصعيد؟