تشريع القتل: إعادة إنتاج العنف في السياق الاستعماري الفلسطيني
6 أبريل 2026
في الضفة الغربية، من شمالها إلى جنوبها، لم يعد صوت الرصاص حدثا طارئا، بل جزءا من الإيقاع اليومي لحياة الفلسطينيين. غير أن التحول الأخطر لا يقتصر على استمرار العنف، بل في انتقاله من الميدان إلى نصوص القانون، حيث يصبح القتل فعلا مُقنّنا، لا مجرد ممارسة واقعية. هكذا، يتبدل المشهد من انتهاك يُدان إلى سياسة تُشرعن، ومن رصاصة عشوائية إلى حكم إعدام يحمل توقيع المؤسسة.
في 30 مارس، تجاوز الكنيست عتبة غير مسبوقة بإقراره قانون عقوبة الإعدام الموجّه مباشرة ضد الفلسطينيين. ينص القانون على إلزام المحاكم العسكرية الإسرائيلية بإصدار حكم الإعدام بحق كل من يُدان بقتل مواطن أو مقيم إسرائيلي "بقصد إنكار وجود دولة إسرائيل"، بحسب نص القانون، وهي صياغة فضفاضة تفتح الباب أمام تأويلات سياسية تُلبس التهمة بُعدا أيديولوجيا لا قانونيا.

ورغم أن مشهد الإعدامات القانونية يبدو صادما في ظاهره، إلا أنه في جوهره امتداد طبيعي لبنية اعتقالية قائمة على القتل الممنهج. فوفق تقرير صادر في نوفمبر 2025 عن منظمة أطباء لحقوق الإنسان في إسرائيل، استشهد ما لا يقل عن 98 معتقلا فلسطينيا داخل سجون الاحتلال منذ السابع من أكتوبر، نتيجة التعذيب والإهمال الطبي والتجويع القسري، في حين صُنّف العشرات منهم كمدنيين. بذلك، لا يبدو القانون قفزة مفاجئة، بل تتويجا لمسار طويل من تقنين العنف.
يمنح القانون الجديد المحاكم العسكرية سلطة شبه مطلقة، حيث لا يمكن استبدال حكم الإعدام بالسجن المؤبد إلا في حال وجود "أسباب خاصة أو “ظروف استثنائية"، وهي عبارات فضفاضة تترك القرار النهائي رهينة المزاج القضائي والسياق السياسي.
القانون لا يكتفي بتوسيع نطاق العقوبة، بل يُقوّض الضمانات الإجرائية المرتبطة بها. فقد ألغى شرط الإجماع القضائي لفرض الإعدام، مكتفيا بأغلبية الثلثين، كما سمح بإصداره دون طلب صريح من الادعاء، وفرض تنفيذ الحكم خلال 90 يوما.
من الناحية الشكلية، لم يكن هذا التحول مستحيلا قانونيا؛ فالمحاكم العسكرية الإسرائيلية كانت تمتلك صلاحية إصدار حكم الإعدام منذ عقود، لكنها امتنعت عن استخدامه منذ إعدام أدولف أيخمان عام 1962. غير أن ما تغيّر اليوم هو المناخ السياسي والقيمي، حيث لم تعد عقوبة الإعدام تُرى كـ"خط أحمر"، بل كأداة مشروعة ضمن منظومة الأمن المزعومة. هذا التحول يعكس، في جوهره، انزياحا عميقا في بنية الخطاب الإسرائيلي، من ادعاء الانتماء إلى منظومة القيم الليبرالية الغربية إلى إعادة تعريف العدالة وفق منطق القوة.
الأخطر من ذلك أن القانون لا يكتفي بتوسيع نطاق العقوبة، بل يُقوّض الضمانات الإجرائية المرتبطة بها. فقد ألغى شرط الإجماع القضائي لفرض الإعدام، مكتفيا بأغلبية الثلثين، كما سمح بإصداره دون طلب صريح من الادعاء، وفرض تنفيذ الحكم خلال 90 يوما. أما المعتقلون الفلسطينيون، فقد أُغلقت أمامهم كل سبل الاستئناف.
تشير الوقائع إلى أن التحضيرات لتنفيذه بدأت مبكرا، بما في ذلك تخصيص موقع سري لتنفيذ الإعدامات، ودراسة نماذج دولية لتطبيق العقوبة.
وفي سياق تنفيذ العقوبة، تم تعديل آلية الإعدام لتصبح شنقا بدل الحقن القاتل، بعد رفض نقابة الأطباء الإسرائيلية المشاركة في العملية. وقد عُرضت هذه الصيغة من قبل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، لتصبح جزءا من القانون، في مشهد يعكس إصرارا سياسيا على تحويل الإعدام إلى إجراء عملي، لا مجرد نص نظري.
ورغم الجدل البرلماني الذي رافق القانون، تشير الوقائع إلى أن التحضيرات لتنفيذه بدأت مبكرا، بما في ذلك تخصيص موقع سري لتنفيذ الإعدامات، ودراسة نماذج دولية لتطبيق العقوبة. كما تتضمن الآلية المقترحة إشراك ثلاثة من حراس السجون في تنفيذ الحكم في وقت واحد، في محاولة لتوزيع المسؤولية الأخلاقية، وهي مفارقة تكشف إدراكا ضمنيا بثقل الفعل، حتى لدى منفذيه.

في الخلفية، لا يمكن فصل هذا التحول عن المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث أظهرت استطلاعات سابقة، منذ عام 2017، دعما واسعا لتطبيق عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين. وقد تعزز هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة مع تصاعد خطاب اليمين، الذي لم يكتف بالمطالبة بالعقوبة، بل تباهى باستعداده لتنفيذها.
بالتوازي، يجري العمل على مسار تشريعي آخر يهدف إلى إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة الفلسطينيين المتهمين بالمشاركة في هجمات السابع من أكتوبر. ولتجاوز القيود القانونية التي تمنع تطبيق الإعدام بأثر رجعي، يجري الدفع نحو تعديل الإطار القانوني عبر الاستناد إلى قانون منع الإبادة الجماعية لعام 1950، بما يسمح بإصدار أحكام إعدام في سياق استثنائي.
لا يبدو قانون الإعدام مجرد أداة ردع، بل جزءا من إعادة تشكيل شاملة لمنظومة القتل والإجرام، بحيث تسخر الإطار القانوني وتحوله إلى أداة سياسية تُعيد إنتاج السيطرة.
وقد تقدمت لجنة الدستور والقانون والعدل في الكنيست بمشروع لإنشاء محكمة عسكرية خاصة تمتلك صلاحية فرض هذه العقوبة، مع إجراءات إضافية تشمل منع المتهمين من الاستفادة من صفقات تبادل الأسرى، وتمويل محامي الدفاع من أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة، إضافة إلى بث المحاكمات وتوثيقها ضمن أرشيف الدولة.
في هذا السياق، لا يبدو قانون الإعدام مجرد أداة ردع، بل جزءا من إعادة تشكيل شاملة لمنظومة القتل والإجرام، بحيث تسخر الإطار القانوني وتحوله إلى أداة سياسية تُعيد إنتاج السيطرة. وهنا، يصبح السؤال متعلقا بالحدود التي يمكن أن تبلغها هذه المنظومة، حين يُعاد تعريف الحياة نفسها كمسألة خاضعة للسيادة.