غزة تحت وطأة النفايات: أزمة بيئية تتفاقم بين الركام والحصار
21 أبريل 2026
في قطاع لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترا مربعا، كان يعيش قبل الحرب نحو 2.23 مليون نسمة، ما جعله واحدا من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم. هذا الاكتظاظ لم يكن مجرد رقم ديموغرافي، بل ضغطا بيئيا دائما، تجلّى في إنتاج ما يقارب ألفي طن من النفايات الصلبة يوميا. ومع اندلاع الحرب وما رافقها من دمار واسع، تحوّل هذا الضغط إلى أزمة مركبة تتجاوز حدود الإدارة البلدية، لتصبح تهديدا مباشرا للصحة العامة والبيئة.

قبل الحرب، اعتمدت إدارة النفايات في غزة على مجموعة من المكبات المركزية والعشوائية، أبرزها مكبا "جحر الديك" و"الفخاري"، إلى جانب مواقع أخرى في شمال القطاع. ورغم التحديات المرتبطة بضيق المساحة والحصار ونقص الموارد، ظل النظام قادرا على استيعاب الحد الأدنى من النفايات. إلا أن هذا التوازن الهش انهار مع استهداف البنية التحتية، وتعطل آليات الجمع، ونفاد الوقود، لتتراكم النفايات في الشوارع ومحيط مناطق النزوح، وتتحول تدريجيا إلى ما يشبه "مقابر مؤقتة".
تشير التقديرات الحديثة إلى تراكم نحو 900 ألف طن من النفايات في شمال القطاع وجنوبه، في ظل صعوبة الوصول إلى المكبات الرئيسية الواقعة قرب المناطق الحدودية.
تشير التقديرات الحديثة إلى تراكم نحو 900 ألف طن من النفايات في شمال القطاع وجنوبه، في ظل صعوبة الوصول إلى المكبات الرئيسية الواقعة قرب المناطق الحدودية. ونتيجة لذلك، انتشرت أكثر من 200 مكب عشوائي داخل الأحياء السكنية ومحيط الخيام، ما أدى إلى تفاقم المخاطر الصحية، من انتشار الحشرات والقوارض إلى تلوث المياه الجوفية في بيئة تعاني أصلا من شح الموارد المائية.
الأزمة لا تقف عند حدود النفايات المنزلية، بل تتعقد مع اختلاط أنواع مختلفة من المخلفات، بما فيها النفايات الطبية وركام المباني المدمرة. هذا الركام، الذي يقدّر بمئات آلاف الأطنان، يحتوي في كثير من الأحيان على مواد خطرة مثل "الأسبستوس" والمعادن الثقيلة، ما يضاعف من خطورة التعامل العشوائي معه، سواء بالحرق أو الطمر دون إجراءات وقائية. وفي ظل انهيار منظومة إدارة النفايات الطبية، باتت هذه المخلفات تختلط بالنفايات العادية، ما يرفع احتمالات انتشار العدوى والأمراض.

كما أدى نقص الوقود إلى لجوء السكان إلى حرق النفايات لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم، ما ساهم في تلوث الهواء وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي. ومع قدوم الشتاء، تتفاقم الأزمة بفعل تجمع المياه الراكدة حول المكبات العشوائية، لتتحول إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض الجلدية والمعوية، في ظل اكتظاظ سكاني ونقص حاد في الخدمات الصحية.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب خطوات عاجلة ومترابطة، تبدأ بفتح ممرات آمنة للوصول إلى المكبات الرئيسية، والسماح بإدخال المعدات اللازمة، وصولا إلى فصل النفايات الخطرة، خاصة الطبية وركام الحرب، عن باقي المخلفات.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار، لا تزال الأزمة بعيدة عن الحل، إذ إن الوصول إلى المكبات الصحية والمناطق الشرقية يظل محدودا، ما يعوق أي جهود فعلية لإعادة تنظيم قطاع النفايات. كما أن نقص المعدات والآليات الثقيلة وقطع الغيار، إلى جانب استمرار القيود على إدخال الوقود، يعيق قدرة البلديات على استعادة الحد الأدنى من خدماتها.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب خطوات عاجلة ومترابطة، تبدأ بفتح ممرات آمنة للوصول إلى المكبات الرئيسية، والسماح بإدخال المعدات اللازمة، وصولا إلى فصل النفايات الخطرة، خاصة الطبية وركام الحرب، عن باقي المخلفات. كما أن أي خطة للتعافي البيئي تبقى رهينة بمدى توفر إرادة دولية حقيقية تضمن إزالة القيود المفروضة على عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار.
في غزة، لم تعد النفايات مجرد عبء خدمي، بل تحولت إلى مؤشر على عمق الأزمة الإنسانية والبيئية. وبين أكوام القمامة وركام البيوت، تتشكل معركة يومية صامتة، عنوانها البقاء في بيئة تزداد قسوة يوماً بعد آخر.