غزة والعيد المؤجل.. أضاح غائبة وأسواق فارغة
26 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
منذ ثلاثة أعوام، يدخل عيد الأضحى إلى غزة مثقلا بالحرب، خاليا من ملامحه التي عرفها الناس لعقود. لم تعد الشوارع تمتلئ بأصوات المواشي، ولا الأسواق بازدحام العائلات الباحثة عن الأضاحي وملابس الأطفال، بل تحولت المناسبة، منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى موسم آخر من مواسم الجوع والنزوح والفقدان.
في غزة اليوم، لا يرتبط العيد بروائح الشواء وتوزيع اللحوم بقدر ما يرتبط بطوابير المساعدات والخيام والأسواق الفارغة. حتى الأضحية، التي شكّلت لسنوات واحدة من أهم الطقوس الدينية والاجتماعية لدى الغزيين، أصبحت حلما بعيد المنال في قطاع يواجه انهيارا شبه كامل في الثروة الحيوانية، وحصارا خانقا، وواقعا معيشيا يزداد قسوة عاما بعد عام.
أسعار خيالية وقدرة شرائية منهارة
ففي الوقت الذي يقترب فيه عيد الأضحى في العالم الإسلامي بوصفه مناسبة للفرح والتكافل، يدخل أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة العيد للعام الثالث على التوالي، دون قدرة حقيقية على إحياء واحدة من أبرز شعائره الاجتماعية والدينية. الحرب الإسرائيلية المستمرة، والحصار الخانق، والانهيار شبه الكامل للثروة الحيوانية، كلها عوامل دفعت الأضحية إلى دائرة المستحيل بالنسبة لغالبية السكان.
قبل الحرب، كانت أسواق غزة تتحول في الأيام التي تسبق العيد إلى مشهد مكتظ بالحياة؛ عشرات آلاف الأغنام والعجول كانت تدخل القطاع سنويا لتلبية احتياجات الموسم، فيما كانت العائلات تتشارك فرحة شراء الأضاحي وتوزيع اللحوم على الأقارب والفقراء. أما اليوم، فقد تبدّل كل شيء. المعابر مغلقة، والمواشي شبه غائبة، والأسعار تجاوزت حدود المنطق في منطقة يعيش معظم سكانها تحت خط الفقر والمجاعة.
المواطن محمد السوسي، وهو أب لخمسة أطفال من مدينة غزة، يصف التحول الذي أصاب العيد بحسرة واضحة. يقول إن العيد فقد ملامحه منذ بداية الحرب، لكن هذا العام يبدو "الأكثر قسوة"، مضيفا أن العائلات لم تعد تفكر بالأضاحي أو الملابس أو الحلويات، بل بكيفية تأمين الطعام والماء والبقاء على قيد الحياة.
ويتابع: "في السابق كنا ننتظر العيد لنفرح الأطفال ونوزع اللحوم على الأقارب والفقراء، أما اليوم فأصبحنا عاجزين حتى عن شراء كيلو واحد من اللحم".
وصلت أسعار بعض الخراف إلى ما بين 20 و26 ألف شيكل، أي ما يعادل نحو 7 إلى 8 آلاف دولار، بينما تجاوز سعر كيلو اللحم البلدي 300 شيقل بعد أن كان لا يتجاوز 25 شيقلا قبل الحرب.
هذه الصورة لا ترتبط فقط بانخفاض القدرة الشرائية، بل أيضا بانهيار البنية الإنتاجية للقطاع الحيواني في غزة. فقد تعرضت مزارع الإنتاج الحيواني والحظائر ومخازن الأعلاف والمنشآت البيطرية إلى دمار واسع خلال الحرب، إلى جانب نفوق أعداد كبيرة من المواشي نتيجة القصف ونقص الغذاء والدواء.
التاجر ومربي المواشي أكرم سعيد يقول إن ما يتوفر حاليا في الأسواق لا يتجاوز 5% من حجم المواشي التي كانت موجودة قبل الحرب. ويوضح أن القطاع كان يستورد سنويا ما بين 10 آلاف و20 ألف عجل، إضافة إلى ما بين 30 و40 ألف رأس من الأغنام قبيل عيد الأضحى، بينما توقفت عمليات الاستيراد اليوم بشكل كامل بفعل إغلاق المعابر ومنع إدخال المواشي والأعلاف.
هذا الانهيار انعكس مباشرة على الأسعار، في مشهد وصفه ناشطون ومراقبون بأنه "الأغلى عالميا" مقارنة بمستويات الدخل المحلية المنهارة. فبحسب شهادات متداولة، وصلت أسعار بعض الخراف إلى ما بين 20 و26 ألف شيكل، أي ما يعادل نحو 7 إلى 8 آلاف دولار، بينما تجاوز سعر كيلو اللحم البلدي 300 شيقل بعد أن كان لا يتجاوز 25 شيقلا قبل الحرب.
غزة تحتفل بالبقاء لا بالعيد
لكن الأزمة في غزة تتجاوز فكرة غلاء الأضاحي إلى ما هو أعمق بكثير. فغياب الأضحية لم يعد مجرد تراجع في مظهر من مظاهر العيد، بل أصبح انعكاسا مباشرا لحالة المجاعة والانهيار الاقتصادي التي يعيشها القطاع. إذ تشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن نحو 1.6 مليون شخص، أي ما يقارب 77% من سكان غزة، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من 100 ألف طفل، وعشرات آلاف النساء الحوامل والمرضعات.
وفي ظل استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات الإنسانية والوقود والمواد الغذائية، تتسع رقعة العجز يوما بعد يوم. فالكثير من العائلات باتت تعتمد على مساعدات محدودة أو على كميات قليلة من الأغذية المعلبة والمجمدة، فيما اختفت اللحوم الطازجة من موائد معظم السكان.
وسط هذا المشهد القاسي، يبدو عيد الأضحى في غزة بلا طقوسه المعتادة؛ لا زيارات واسعة، ولا موائد عامرة، ولا قدرة لدى معظم العائلات على شراء الأضاحي أو حتى ملابس جديدة للأطفال.
وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة وصفت ما جرى لقطاع الثروة الحيوانية بأنه "تدمير ممنهج"، مؤكدة أن الحرب أدت إلى القضاء على ما تبقى من هذا القطاع الحيوي، في ظل استمرار منع إدخال المواشي والأدوية البيطرية والأعلاف، وهو ما يهدد الأمن الغذائي لملايين الفلسطينيين داخل القطاع.
وسط هذا المشهد القاسي، يبدو عيد الأضحى في غزة بلا طقوسه المعتادة؛ لا زيارات واسعة، ولا موائد عامرة، ولا قدرة لدى معظم العائلات على شراء الأضاحي أو حتى ملابس جديدة للأطفال. أم محمد، وهي نازحة من شمال القطاع، تقول إن أبناءها "باتوا يسمعون عن العيد أكثر مما يعيشونه"، مضيفة أن الحياة داخل الخيام غيّرت كل شيء، حتى معنى الفرح نفسه.
ورغم كل ذلك، يحاول الغزيون التشبث بما تبقى من روح العيد؛ بعض التهاني البسيطة، زيارات محدودة، ومحاولات فردية لمساندة العائلات الأشد فقرا. إنها محاولات صغيرة في وجه حرب ضخمة، لكنها تكشف رغبة الناس في حماية ما تبقى من إنسانيتهم، حتى في أكثر اللحظات قسوة.