التوجيهي تحت النار: حين يصبح الامتحان معركة نجاة في غزة
4 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في غزة، خرج امتحان الثانوية العامة من معناه التقليدي بوصفه محطة مدرسية فاصلة في حياة الطلاب، وتحول إلى اختبار قاس للقدرة على البقاء، والتركيز، ومقاومة الانهيار. فالتوجيهي، الذي ظلّ لعقود طقسا اجتماعيا فلسطينيا واسعا، يتجاوز حدود المدرسة إلى البيت والعائلة والحي، يأتي هذا العام محمولا على شبكة إنترنت متقطعة، وهواتف مهددة بالنفاد، وخيام مزدحمة، وسماء مفتوحة على القصف.
التعليم المعلّق بين الخيمة والمنصة
داخل خيام النزوح في جنوب القطاع، يحاول طلبة في الثامنة عشرة من عمرهم الاستعداد لأهم امتحانات حياتهم. بعضهم يحلم بدراسة الطب في الخارج، وبعضهم يتمسك بفكرة الجامعة بوصفها آخر ممر نحو مستقبل ممكن. لكن الدراسة تجري وسط الحر والضجيج والقلق، حيث تتحول الخيمة إلى بيت، ومدرسة، وغرفة دراسة ومكان انتظار طويل. وفي كل مرة يخرج فيها طالب بحثا عن إنترنت في مقهى أو مركز قريب، يرافقه سؤال النجاة قبل سؤال النجاح.
هذه التجارب تختصر مأزق أكثر من 37 ألف طالب في غزة يخوضون امتحانات التوجيهي هذا العام، بين 22 حزيران/يونيو و3 تموز/يوليو، عبر الإنترنت، بعد أن دمّرت الحرب الإسرائيلية بنية التعليم في القطاع. وإلى جانبهم، يؤدي نحو ألفي طالب غادروا غزة الامتحانات في الخارج، بينما يحاول من بقوا داخلها إنجاز المرحلة نفسها من قلب ظروف تكاد تبتلع معنى التعليم ذاته.
تحوّل هذا الطقس الجماعي إلى تجربة قاسية داخل المخيمات والخيام ومراكز التعليم المؤقتة، حيث يصبح توفير شاحن للهاتف أو نقطة إنترنت مستقرة جزءا من شروط الامتحان.
لطالما شكّل التوجيهي في المجتمع الفلسطيني لحظة عبور كبرى. كانت البيوت تتحول إلى مساحات صمت، وتُعلّق الزيارات، وتُعاد جدولة الحياة اليومية حول الطالب. كانت النتيجة تحمل وعد الجامعة، والمستقبل، والمهنة، ومكانة العائلة. أما اليوم، فقد تحوّل هذا الطقس الجماعي إلى تجربة قاسية داخل المخيمات والخيام ومراكز التعليم المؤقتة، حيث يصبح توفير شاحن للهاتف أو نقطة إنترنت مستقرة جزءا من شروط الامتحان.
في بعض العائلات، يحاول الأهالي صناعة قدر ضئيل من الهدوء داخل النزوح. تأخذ الأمهات الأطفال الأصغر إلى خيام الأقارب كي يمنحن أبناءهن مساحة للدراسة. يراقبن أبناءهن وهم يسهرون، يتوترون، يعيدون المحاولة مع المنصة الإلكترونية، ويخشون أن يسقط الاتصال في اللحظة الحاسمة. هنا تبدو العائلة كلها شريكة في الامتحان، لكنها شراكة مثقلة بالعجز أمام منظومة كاملة من العطب؛ أم تحاول حماية ابنها من الضجيج، بينما الحرب تسلبه شروط التركيز من أساسهه.
ويصف معلمون في غزة ما جرى بوصفه تفكيكا شاملا لمنظومة الدعم التي كان طلاب الثانوية يعتمدون عليها. قبل الحرب، كان الطلاب يلتحقون بالمراكز قبل بداية العام الدراسي، يتلقون شرحا مكثفا، يخضعون لاختبارات تقييمية، ويحظون بمتابعة تعالج نقاط الضعف وتراكم المعرفة خطوة خطوة. خلال الحرب، تبددت هذه البنية. ضاعت الصفوف، وتفرّق المعلمون، وتحوّلت العملية التعليمية إلى محاولات إسعاف متفرقة وسط الدمار.
خيام مكتظة، مقاعد ناقصة، حرارة خانقة، وبرامج دراسية مختزلة إلى المواد الأساسية. العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم تحضر بوصفها الحد الأدنى الممكن، بينما تُزاح مواد مثل التاريخ والجغرافيا والاقتصاد إلى الهامش.
المشكلة هنا تتجاوز نقل الامتحان إلى الإنترنت. فالتعليم الإلكتروني يفترض وجود حد أدنى من الاستقرار: كهرباء، جهاز، اتصال، مساحة هادئة، وقدرة نفسية على التلقي. في غزة، تتحول هذه الشروط إلى رفاهية بعيدة. يفتح الطالب رابط الامتحان وهو يراقب بطارية هاتفه، ويتابع قوة الإشارة، ويصغي في الوقت نفسه إلى هدير الطائرات أو انفجار قريب. هكذا يصبح الامتحان ساحة ضغط مركّبة، يتداخل فيها الخوف التقني مع الخوف الوجودي.
وفي مراكز التعليم المؤقتة، تظهر آثار الانهيار بصورة يومية. خيام مكتظة، مقاعد ناقصة، حرارة خانقة، وبرامج دراسية مختزلة إلى المواد الأساسية. العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم تحضر بوصفها الحد الأدنى الممكن، بينما تُزاح مواد مثل التاريخ والجغرافيا والاقتصاد إلى الهامش.
التوجيهي بين الطموح والنجاة
تتكرر بين الطلبة المقارنة القاسية بين ما كان عليه التوجيهي قبل الحرب وما صار إليه اليوم. طالبة نازحة تستعيد تجربة شقيقتها الكبرى قبل الحرب، حين كان البيت يعيش حالة طوارئ جميلة من أجل طالبة توجيهي: هدوء، اهتمام، وعود بالهدايا، وترقب للنجاح. أما تجربتها، فتبدأ عند الفجر، حين ينام المخيم قليلا ويصبح بالإمكان قراءة صفحة أو حفظ فقرة. في النهار، يبتلع الضجيج كل شيء: شاحنة مياه، صراخ أطفال، ازدحام خيام، ومطالب يومية لا تنتهي.
تكشف هذه التجارب أن الحرب تسلب الطالب أكثر من المنهاج. تسلبه الطقس الاجتماعي الذي يمنحه الشعور بأن مستقبله يستحق الالتفاف حوله. فالطالب في غزة يدرس اليوم وسط عالم يرسل إليه رسالة قاسية: الحياة معلقة، والنجاح مؤجل، والمستقبل نفسه موضوع تحت القصف. ومع ذلك، يواصل هؤلاء الطلاب المحاولة، لأن الامتحان صار آخر خيط يربطهم بفكرة الغد.
في غزة، يصبح التوتر نتيجة بنية كاملة من الخوف: خوف من الفشل التقني، وخوف من القصف، وخوف من الخروج إلى الامتحان والعودة منه.
في لحظات القصف، يتراجع الامتحان في وعي الطلاب إلى مرتبة ثانوية أمام سؤال الحياة. بعضهم يتحدث عن الغارات وإطلاق النار من الطائرات المسيّرة بوصفها واقعًا يوميًا يبدد الرغبة في التفوق، ويدفعهم إلى الاكتفاء بأي نتيجة. هذه العبارة تحمل جوهر المأساة: الحرب تعيد صياغة الطموح نفسه، فتدفع الطالب من حلم العلامات العالية إلى رغبة النجاة الأكاديمية بالحد الأدنى.
وتتعمق الأزمة في أثناء تقديم الامتحانات. طلبة من مدينة غزة بحثوا عن أماكن تضمن اتصالا أفضل قبل بدء الامتحانات، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام أعطال متكررة في الإنترنت والمنصة والتطبيق. بعضهم يصرخ ويبكي عند تعطل الرابط أو سقوط الاتصال. في سياق طبيعي، يُعد التوتر جزءا من موسم التوجيهي. في غزة، يصبح التوتر نتيجة بنية كاملة من الخوف: خوف من الفشل التقني، وخوف من القصف، وخوف من الخروج إلى الامتحان والعودة منه.
خلف هذه الوقائع تقف حقيقة أوسع: الاحتلال يستهدف شروط الحياة، والتعليم أحد أبرز هذه الشروط. فالمدرسة في معناها العميق مؤسسة أمل، والمسار الدراسي وعد باستمرار المجتمع وقدرته على إنتاج مستقبله. وعندما تُدمّر المدارس، وتُهجّر العائلات، وتتحول الخيام إلى صفوف مؤقتة، يتعرض المستقبل الفلسطيني نفسه لمحاولة محاصرة وتجويف.
تبلغ هذه المأساة ذروتها في حكاية رغد حسين عاشور، الطالبة ذات السبعة عشر عاما، التي قُتلت في غارة إسرائيلية وهي في طريقها إلى مركز تعليمي في مدينة غزة. كانت نازحة من بيت حانون إلى خيمة في حي السرايا، متفوقة في دراستها، وحاصلة على المركز الأول في برنامج للمنح في الذكاء الاصطناعي. كانت تتحدث عن أحلامها بثقة؛ مرة تريد إدارة مؤسسة تعليمية كبيرة، ومرة تريد أن تصبح طبيبة مثل والدها الراحل.
وفي كل رابط امتحان يفتحه طالب من غزة، ثمة إعلان عن شعب يصر على أن يبقى للمستقبل مكان، حتى وهو يكتب إجاباته تحت النار.
في صباح استشهادها، أحضرت رغد الخبز والزعتر لعائلتها، شربت الشاي مع والدتها، ثم خرجت إلى الدرس. بعد دقائق، وقع الانفجار. بهذه التفاصيل الصغيرة تتكثف فداحة المشهد: طالبة تبدأ يومها بخبز وزعتر وحلم، ثم تخطفها آلة الحرب قبل أن تصل إلى مقعد الدراسة. في غزة، الطريق إلى المركز التعليمي قد يتحول إلى وداع أخير.
موسم التوجيهي في غزة اليوم يكشف طبقة عميقة من الإبادة: استهداف الزمن المقبل. فقتل الأطفال، وتدمير المدارس، وتشريد العائلات، وتحويل التعليم إلى امتحان إلكتروني داخل الخيام، كلها حلقات في سلسلة واحدة تطال قدرة المجتمع على تخيل مستقبله. ومع ذلك، يواصل الطلاب فتح الكتب، شحن الهواتف، البحث عن شبكة، والجلوس للامتحان.
تلك المحاولة اليومية تحمل معنى سياسيا وإنسانيا بالغا. طالب يدرس في خيمة تحت القصف يمارس شكلا من أشكال المقاومة الهادئة. أم تخلي الخيمة لابنها كي يراجع دروسه تحرس ما تبقى من الغد. معلمة تشرح المنهاج في مركز مزدحم ترفض انهيار المعنى. وفي كل رابط امتحان يفتحه طالب من غزة، ثمة إعلان عن شعب يصر على أن يبقى للمستقبل مكان، حتى وهو يكتب إجاباته تحت النار.